القدس العصية على التهويد

مدينة القدس العصية على التهويد


 حين بدأت "إسرائيل" قبل خمسة أعوام "منتصف العام 1998" احتفالاتها الضخمة لما سمّته في حينه "الألفية الثالثة للقدس اليهودية"، لم يجد الفلسطينيون من رد لديهم سوى التأكيد "الخطابي" من جانبهم على أن عمر القدس اليبوسية  الكنعانية  الفلسطينية  العربية يتجاوز الستة آلاف عام. ولكنهم لم يملكوا القدرة الفعلية على الاحتفال بألفيتهم السادسة، تحت سقف الاحتلال "الإسرائيلي" المسيطر عليهم، وادعاءاته للألفية الثالثة، وفي الوقت الذي تدفقت فيه تباعاً مئات الكتب "الإسرائيلية" الجديدة لتدعيم هذه الادعاءات، بالدراسات والأبحاث التاريخية والجغرافية، إلى جانب المزيد من الجهد، ومن الأموال الطائلة في التنقيب عن الآثار، على مدار الاحتفالات التي استمرت لأكثر من عامين، كانت المكتبة الفلسطينية تفتقر بشدة مؤلمة، لأي كتاب جديد يوثق بالمنهج العلمي، لمسألة الألفية الفلسطينية السادسة في القدس.
بطبيعة الحال، تشتمل المكتبة الفلسطينية "والعربية والإسلامية بشكل عام" على عشرات الكتب التاريخية والجغرافية القديمة التي تتحدث عن "فضائل القدس" منذ قرون عديدة. وفي دراسة حديثة في هذا الشأن، تحت عنوان "صورة المكان في مرآة تاريخ القدس- فضائل القدس"، في مجلة "الكرمل" الفصلية الثقافية، بعددها المزدوج 76 -77 لصيف وخريف العام 2003، رام الله، أحصى الباحثان شمس الدين الكيلاني ومحمد جمال باروت، هذه الكتب ببواكيرها التي ظهرت منذ القرن الثاني الهجري، "إلا أنها فقدت ولم يتبق منها إلا أسماؤها، مثل كتاب "فتوح بيت المقدس"، وكتاب (أخبار بيت المقدس).."، وما تبعها من كتب ألفت ما بين القرنين الخامس الهجري/الحادي عشر الميلادي، والرابع عشر الهجري/العشرين الميلادي، وهي موجودة بعضها مخطوط، وبعضها مطبوع، فكانت جميعها خمسة وأربعين كتاباً، وهي على امتداد القرون لا تضيف جديداً، وإنما تكرس سرديتها باستنساخ ذاتها، بتوسع حيناً، واختصار حيناً آخر، في سياق مصادرها الأولى الثابتة.
يقول الباحثان: "لم تكن القدس الإسلامية هنا، بهذه النظرة التاريخية الموحدة لها، بدلاً عن القدس اليهودية والقدس المسيحية، بل وارثة لها بمقتضى الوعد الإلهي، وإذا كانت إخبارية "العهد القديم" عن القدس التي ورثها النص الديني بعد أن أعاد بناءها بما يتسق مع منظومته العقائدية، قد شكلت المصدر الأساسي في معرفة المؤرخ لتاريخ القدس ما قبل الدعوة الإسلامية، وفق معارف زمنه المتاحة، فإنه قد أخذ يتشكل في سياق ذلك التاريخ العام ما يمكن تسميته بالأيستوغرافيا المقدسية الإسلامية التي تضم كل ما كتب عن القدس. وقد شكل تجميع هذه الايستوغرافيا في مدونات خاصة بتاريخ المدينة متن التاريخ البلداني المقدسي الذي يقع تصنيفياً في إطار التاريخ المحلي أو الإقليمي للبلدان والمدن الإسلامية".
لم تتوقف "إسرائيل" في "نفي الآخر" بالنسبة لها، عند المدونات الفضائلية الموروثة "والتي رأت فيها أصدق إرثٍ ليهوديتها الأولى  العهد القديم"، ولكنها عملت على تطوير "المنهج العلمي" لتأكيد هذه اليهودية التوراتية البحتة على الأرض، فانطلقت في التنقيب عن الآثار، في كل شبر في القدس. بحثاً عن ذلك "الإرث". وحين اصطدمت بالتناقض التام بين نتائج حفرياتها من جهة، وما تزعمه لنفسها من وراثة مطلقة من جهة ثانية، عمدت على تزوير الحقائق، أو طمسها.
ولكن "الطبقات الحضارية" للأرض لا ترضخ للبطش الاحتلالي، وهي قادرة على أن "تنطق" بالحقائق من دون تزوير أو تزييف أو طمس، طالما توفر لها القادرون على الوصول إلى مضامينها بصدق وموضوعية.
في إصدار جديد لخبير الآثار الفلسطيني الدكتور إبراهيم الفني، تحت عنوان "الأطلس المصور لستة آلاف سنة من الحضارة في مدينة القدس" اجتهاد واضح وموضوعي في "استنطاق" إحدى وعشرين طبقة حضارية في المدينة المقدسة ليصل بنا إلى تعريف القدس كمدينة عمرها ستة آلاف عام، وليشرح لنا بالمنهج العلمي، وبالحجة التي تقارع الحجة، حقيقة آثارية لم تنكسر تحت الطمس والتشويه، هي أن الوجود "الإسرائيلي" في القدس، وجود احتلال وليس بناء، منذ القديم إلى حينه، وإذا كان من الصعب جداً "وقد يكون من المضجر للقراء غير المعنيين أو المختصين بشؤون الآثار" أن أتناول ولو بالتلخيص الشديد، مقاطع مهمة من بعض فصول هذا الكتاب، فإنني على الأقل، أكتفي بالإشارة إلى أن فصوله قد غطت بالصور والخرائط، والمتابعات الدقيقة لنتائج الحفريات الأثرية، تاريخ القدس منذ ما قبل أربعة آلاف سنة قبل الميلاد، إلى العصر الحديث، لتخلص إلى الحقيقة الساطعة التي اخلص لها المنهج العلمي، وأسس عليها تقديم نفسه بنفسه: "مع كل هذه المتغيرات الحضارية والتعديلات في التسمية التي طرأت على القدس، إلا أنها بقيت مصدراً تاريخياً ودينياً. وهذا المصدر، كان العبء الأثقل على المرجعية "الإسرائيلية" التي بذلت كل ما بوسعها من جهد وأموال، عبر مؤسساتها الثقافية، من أجل أن تكون القدس في موقع ادعاءات الصهيونية كمدينة الهيكل الأول والثاني، الأمر الذي لم يقدم أي دليل علمي أو أثري يسنده أو يبرر مثل تلك التسميات.
لقد كشفت الحفريات الأثرية عن بوابات جديدة، وعن شوارع وساحات، وعن أنفاق، ولكنها لم تطابق أبداً المرجعية التي نشرتها دور النشر "الإسرائيلية"، وبقيت القدس من خلال أسمائها الستة والثلاثين، وأسوارها الثلاثة، وبواباتها السبع، وشواهدها الدينية تحاور تاريخاً يجاورها، ويتصاعد من عبقها كشاهد نفي على الادعاء والتلفيق "الإسرائيلي" الذي يبتز العالم الغربي عبر التماهي الشكلاني مع واقعه الحضاري، وكذلك، فإن طبقات المدينة الحضارية توحي بالمضمون العلمي الثابت والواقع خارج حدود الأسطورة "الإسرائيلية".


البحث

استطلاع الرأي

ما رأيك بموقعنا الجديد ؟
0
0
0