المياه في المفاوضات النهائية

المياه في المفاوضات النهائية


تعتبر قضايا المياه من القضايا الهامة التي تعنى بها الكثير من الدول والمنظمات والهيئات، بل أصبح الحديث يدور عن حروب قادمة وهي حروب المياه، ومن أكثر المناطق التي تظهر فيها هذه القضايا بشكل كبير منطقة الشرق الأوسط التي يخيم عليها الصراع العربي الإسرائيلي.


وضعت الحركات اليهودية ومنذ بداية القرن موضوع السيطرة على موارد المياه الفلسطينية نصب عينيها بل جعلتها ركناً لإقامة الوطن القومي اليهودي؛ ففي مذكرة إلى مجلس العشرة في باريس سنة 1919، اعتبرت الوكالة اليهودية أن جبل الشيخ هو الأب الحقيقي للمياه في فلسطين، وفي رسالة وجهها "حاييم وايزمن" إلى مؤتمر السلام في باريس ذكر أن لا إمكانية لإقامة وطن قومي يهودي بدون مصادر مياه الأردن والليطاني. وكذلك شدّد "بن غوريون" في مذكرة أرسلها إلى حزب العمال البريطاني أن أهم أنهار "إسرائيل" هي الأردن والليطاني واليرموك. وتمسّك اليهود بمنطقة الجليل الأعلى ومصادر المياه فيها وذلك خلال مشروع التقسيم عام 1947.


تشكّل المياه في الشرق الأوسط قاسماً مشتركاً بين العديد من دول المنطقة، ومع تزايد السكان، وزيادة الحاجة إلى المياه في المنطقة، مع تذبذب كمية المطر المغذي الرئيسي للمياه السطحية والجوفية- بدأت الحاجة الملحة إلى وجود اتفاقيات بين دول المنطقة للاستفادة من الموارد المائية بهدف تنظيم عملية توزيع المياه، إلا أن هذه المشاريع جاءت في معظمها إما لخدمة الأهداف الإسرائيلية أو أنها مشاريع رفضتها إسرائيل وأصبحت حبراً على ورق.
واليوم فإن مشكلة المياه من القضايا الرئيسية المدرجة على جدول أعمال المفاوضات النهائية بين فلسطين وإسرائيل. وفي هذا السياق يقول الكاتب الإسرائيلي "زئيف شيف": "ينبغي أن تكون المياه مبدأً أساسياً في كل تسوية وإلا ستكون مدخلاً لحروب المستقبل".


بدأت إسرائيل ومنذ احتلال الأراضي الفلسطينية في نهب واستنزاف الموارد المائية الفلسطينية الأمر الذي استدعى التصدي لهذه الاعتداءات الإسرائيلية السافرة على حقوق الشعب الفلسطيني، وقد أولت قيادة الشعب الفلسطيني اهتمامها وحرصها بهذا الموضوع، وظهر ذلك في الاتفاقيات التي وقعت بين منظمة التحرير الفلسطينية والحكومة الإسرائيلية، وهذه الاتفاقيات هي:


المياه في اتفاق "إعلان المبادئ":
في 13 أيلول سبتمبر عام 1993 تم التوقيع على ما بات يعرف بإعلان المبادئ والتي نصت المادة السابعة منه على أن المجلس الفلسطيني فور تنصيبه سيقوم بإنشاء سلطة إدارة المياه؛ ونصت المادة رقم  11  منه على إنشاء لجنة اقتصادية فلسطينية – إسرائيلية للتعاون من أجل تطوير وتطبيق البرامج المحددة في البروتوكولات المرفقة باتفاق "إعلان المبادئ"، كملحق رقم  3 و 4 فور دخول الاتفاق حيز التنفيذ.
ويحتوى الملحق رقم 3 في البند رقم 1 من الاتفاق، على التعاون في مجال المياه وتطويرها بواسطة خبراء من الجانبين، وسيتضمن مقترحات لدراسات وخطط حول حقوق المياه لكل طرف. وكذلك حول الاستخدام المنصف لموارد المياه المشتركة، أثناء وبعد المرحلة الانتقالية.

المياه في اتفاق "القاهرة" اتفاقية "غزة وأريحا" وملاحقهما الموقعة في 5/1994:
ورد في الملحق الثاني، في المادة 2 – ب، في البند "أ": "ستقوم السلطة الفلسطينية بتشكيل وإدارة وتنمية كافة شبكات وموارد المياه والصرف الصحي بطريقة تحول دون حدوث أي ضرر لموارد المياه. والبند "ب" الذي في المادة "2"، يستثنى شركة "ميكروت"، حيث يقول: "ستستمر شركة مياه ميكروت في تشغيل وإدارة شبكات المياه القائمة التي تزود المستوطنات ومنطقة المنشآت العسكرية بالمياه وشبكات وموارد المياه داخلها"، كما أن البند "ج" من نفس المادة ينص على أن: "تتم كافة عمليات الضخ من موارد المياه في المستوطنات ومنطقة المنشآت العسكرية، وفق الكميات الحالية لمياه الشرب ومياه الري، مقابل ذلك فإن السلطة الفلسطينية لن تؤثر على الكميات بصورة سلبية".


الاتفاق الانتقالي حول الضفة الغربية وقطاع غزة "أوسلو
يتطرق الملحق "2" ذيل "1" مادة "40" إلى قضية المياه، وتنص النقطة "1" منه على أن إسرائيل ("تعترف بحقوق الفلسطينيين في المياه في الضفة الغربية")، وهذه هي المرة الأولى التي يتم الاعتراف بها بالحقوق المائية للفلسطينيين بوضوح؛ رغم عدم تعريف أي الموارد الأساسية التي اعترف بها الجانب الإسرائيلي، وبقي الموضوع بشكل عام؛ ما يعطى دلالة أفضل للاستنتاج "أن المعني بذلك كل الموارد التي فيها حق للفلسطينيين".  وكذلك، (يعترف الجانب الإسرائيلي أن الاحتياجات الحقيقة للشعب الفلسطيني من المياه للأغراض المنزلية من 70 إلى 80 مليون متر مكعب سنوياً، وزيادة حصة المياه المخصصة للفلسطينيين خلال المرحلة الانتقالية إلى 26.6 مليون متر مكعب سنوياً، وكذلك تشكيل لجنة مشتركة لها مهام محددة تتخذ قراراتها بالإجماع) وعلى العموم، فقد تم تأجيل حل مشكلة المياه لـ(مفاوضات الوضع النهائي).
وعلى الرغم من وجود هذه الاتفاقيات الموقعة وبرعاية الدول الكبرى والأمم المتحدة إلا أن إسرائيل لم تلتزم بما ورد في هذه الاتفاقيات، وما زالت مستمرة في تجاوزاتها، تستنزف المياه الفلسطينية بشكل يهدد الخزان الجوفي بالنضوب أو عدم صلاحية مياهه للاستهلاك لجميع الأغراض، كذلك تفرض حصارها المائي على التجمعات السكانية الفلسطينية وترفض زيادة كمية المياه اللازمة للقرى والمدن الفلسطينية، الأمر الذي يؤدي إلى انقطاع المياه عن المواطنين الفلسطينيين فترات طويلة خصوصاً في فصل الصيف.


الإجماع الإسرائيلي حول أهمية الاحتفاظ بالمياه في مفاوضات الوضع النهائي:
"إن الجدل الإسرائيلي حول الحدود الآمنة يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالمياه، وإذا سويت المتطلبات الأمنية، فإن المشكلات المائية ستكون حجر عثرة لأية تسوية عربية إسرائيلية."
وقضية المياه مرتبطة جذرياً بالمستوطنات؛ فقد أقيمت غالبية المستوطنات -سواء كانت في غزة أو في الضفة الغربية- فوق خزانات المياه الجوفية.  والمتتبع لكثير من أقوال المسؤولين والكتاب الإسرائيليين، يدرك مدى حجم التمسك بمصادر المياه؛ فقد أعلن المتحدث باسم شركة "ميكروت" للمياه: "أن التخلي عن مياه الضفة، معناه خنق إسرائيل، والعودة إلى عهد آبار الجمع.


ويقول "رافائيل إيتان": "... وإن السيطرة على موارد المياه هي من الأهمية والحيوية، بحيث لا يمكن تركها بيد الفلسطينيين. ويقول تقرير أعده مركز الدراسات الإستراتيجية في جامعة تل أبيب عام 1991: "إن على إسرائيل أن تحتفظ بسيطرتها على مصادر المياه في حالة انسحاب الجيش الإسرائيلي من الأراضي المحتلة."
ويقول البروفسور "حجاى هوبرمان" بجامعة تل أبيب: "من يسيطر على المياه في الضفة الغربية، فإنه يسيطر كذلك على مستودع المياه الرئيسي في باطن الأرض في دولة إسرائيل، وإن تسليم زمام السيطرة على مصادر المياه في الدولة إلى سلطة أجنبية، ستؤدي إن عاجلاً أو آجلاً إلى خلق بؤرة من الاحتكاك المتجدد...، ولن يترعرع السلام في ظل ذلك".


وقد أعلن وزير الزراعة تحذيره من الانسحاب من الضفة الغربية؛ فقال: "من الضفة الغربية يأتي ثلث الاستهلاك الإسرائيلي، في الحقيقة يصل إلى 40% من المياه، والتمسك بقطاع غزة يعني الإمساك بطريقة التصرف بالمياه، حتى لا يتأثر مجمل السهل الساحلي، والتخلي عن هذه المناطق لسيادة الآخرين، يعرض المياه في إسرائيل لأخطار النضوب والملوحـة...".
وجاء في تقرير لجنة "بن اليسار" (التي كلفت بوضع دراسة حول مسألة الحكم الذاتي للفلسطينيين) أنه: "يجب أن تستمر إسرائيل في السيطرة على الموارد المائية؛ لأنه سيكون من المستحيل إقامة مستوطنات جديدة في المناطق، دون السيطرة والإشراف على الموارد المائية".


وكانت توجيهات "إسحاق رابين" لوفده المفاوض بعدم الحديث حول السيطرة على مصادر المياه في الضفة الغربية وقطاع غزة، وحظر النقاش في البحث عن مصادر جديدة.  وقدم "بنيامين نتنياهو" خارطة للانسحاب، تحافظ إسرائيل فيها على المناطق المحيطة بالمستوطنات والمياه؛ أما "إيهود براك"، فيرى أن موضوع المياه سيكون من أصعب الموضوعات.  وعند زيارته لواشنطن، والتوقيع على اتفاق شراكة مع الولايات المتحدة؛ أكد على التزام الولايات المتحدة بتوفير المياه لإسرائيل؛ إما من المصادر العربية، وإما من مياه تركيا؛ أو بتحلية مياه البحر، وتأخذ مخططات براك للحل الدائم مسألة الاحتفاظ بمصادر المياه وفرض السيادة الإسرائيلية على مصادر المياه الفلسطينية بعين الاعتبار.
أما "أريئيل شارون" فقد قال: "... أن نعطى عرفات السيطرة على مصادر المياه؛ فهذه مخاطرة كبيرة جداً...".
ويفيد تقرير أعده مركز الدراسات الإستراتيجية التابع لجامعة تل أبيب حول "قضية المياه في إطار التسويات بين إسرائيل والعرب؛ ": أنه لا ترتيبات أمنية بدون حل مشكلة المياه... وفي حال التوصل إلى اتفاقات سلام تتضمن انسحابات ممكنة؛ فإن التقرير يوصى بأن تكون إسرائيل مطمئنة إلى الإشراف على مصادر المياه.


وقد صرّح "مئيربن مئير" رئيس الوفد الإسرائيلي في اللجنة العليا المشتركة لموضوع المياه في 27/8/1998 أنه ليس هناك إمكانية لحصول الفلسطينيين على كميات إضافية من المياه وفق ما نصت عليه الاتفاقيات، وطالب الجانب الفلسطيني بالتفكير الجدي من الآن فصاعداً بالبحث عن مصادر مياه أخرى، كالاعتماد على تحلية مياه البحر أو استيراد المياه من إسرائيل. وتعكس هذه التصريحات وغيرها الموقف الإسرائيلي من موضوع المياه ومفاهيم هذا الموقف الإسرائيلي الذي تكمن أسسه في ما يلي:


-استخدام القوة وفرض الأمر الواقع ونقلها داخل غرف المفاوضات لأن طاولة المفاوضات هي انعكاس لميزان القوى على الأرض.
-المخرج الوحيد للفلسطينيين من مشكلة المياه هو تحلية مياه البحر، ومعالجة المياه العادمة وتقليص استخدام المياه في مختلف الأغراض خاصةً الزراعية منها.
- مصادر المياه المستخدمة هي مصادر منتهية في الحسبان الإسرائيلي، إذ يقولون أنها مياه غير موجودة فكيف يمكن التفاوض على شئ غير موجود.
- لا سيادة للفلسطينيين على مصادر المياه في الضفة الغربية.
- فيما يتعلق بتبعية المفاهيم فهي مرتبطة بمشاريع إقليمية، سواء بالحصول على المياه من تركيا أو من مياه النيل ونهر الليطاني.
وهناك الكثير من الآراء الإسرائيلية التي لا تدخل تحت حصر، والملاحظ أنها كلها لديها خشية كبيرة من سيطرة الفلسطينيين على مصادر مياههم.


ورغم أن السلام أيضاً مصلحة حقيقية للأطراف في هذه المرحلة، ويحتاج إلى من إسرائيل إلى التخلي عن عقيلة الاستمرار في نهب حقوق الآخرين؛ إلا أن إسرائيل ما زالت تتهرب رغم انقضاء المرحلة الانتقالية.  وإذا قدر لعملية السلام أن تتواصل بعيداً عن المماطلة والتهرب والتسويق الإسرائيلي، فإن قضية المياه ستكون شاقة وعسيرة. 

وإن أحد أهم الضمانات الفلسطينية لهذه الحقوق، أن يظل المفاوض الفلسطيني متمسكاً بحقه المشروع في السيطرة على مصادره المائية، في وجه المطالب الإسرائيلية، التي ترى أن على الفلسطينيين الاعتماد على تحلية ميــاه البحــر ومعالجــة المياه العـادمة، وتقليص مياه الزراعة، والسيادة على مصادر المياه من حق الجانب الإسرائيلي فقط.


أما ثوابت الموقف الفلسطيني فتتمثل في الأسس التالية:-
- الحقوق المائية مرتبطة بمسائل الأرض واللاجئين والتعويض عن الحرمان من التنمية.
- جميع الأحواض المائية التي تقع داخل حدود الأراضي التي احتلت عام 1967 هي فلسطينية خالصة.
- جميع الأنشطة الإسرائيلية أثناء الاحتلال كالمستوطنات وما يتبعها من منشآت العسكرية وكذلك الامتيازات لشركة "ميكروت" والبنية التحتية المقامة من الأراضي المحتلة عام 1967 إلى داخل الخط الأخضر، هي إجراءات باطلة.
- الالتزام الفلسطيني بالاتفاقيات المعقودة والمعاهدات الدولية بهذا الشأن ورفض الحلول البديلة.


وتستند الحقوق المائية الفلسطينية إلى الاتفاقيات الموقعة مع الجانب الإسرائيلي والقانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة والتي يمكن تلخيصها في ما يلي:-
- الملحق (3) من اتفاقية المبادئ الموقعة بتاريخ 13/9/1993، والذي ينص على أنه سوف يجري بحث قضايا المياه، وإعداد خطط خاصة بما يتعلق بتعريف حقوق المياه لكل طرف على أساس مبدأ الاستخدام العادل للمصادر المائية.
- البند (1) من الفقرة 40 لاتفاقية أوسلو، والتي تنص على: "تعترف إسرائيل بالحقوق المائية للفلسطينيين، وسوف يتم التفاوض حول تلك الحقوق والتوصل إلى تسوية بشأنها خلال مفاوضات الوضع النهائي والتي تتعلق بمختلف مصادر المياه".


- قرارات 242، 338 وهي مرجعية عملية السلام.
-القانون الدولي فيما يخص مجاري المياه غير الملاحية.
- اتفاقية المجاري المائية الدولية 1997، خصوصاً المادة الخامسة منها حول الانتفاع والمشاركة المنصفين والمعقولين.
- قواعد هلسنكي التي وضعتها جمعية القانون الدولي، وخصوصاً المادة الرابعة منها، التي تنص على أن الحاجة إلى المحافظة على حياة السكان تشكل أولوية في أية عملية توزيع مياه مشتركة. وكذلك المواد الخامسة والسادسة والسابعة والتي تهتم ببعض الجوانب التفصيلية عند تقسيم المياه، مثل الجوانب الهيدرولوجية والمناخية والتاريخية والاجتماعية والاقتصادية والعينية، بالإضافة أنه "لا يجوز لأية دولة أو جهة السيطرة والانتفاع الأحادي الجانب على حساب أطراف أخرى صاحبة حق في مصادر المياه".
وتستند الحقوق المائية الفلسطينية كذلك على الاعتبارات الأساسية في السياسة الدولية في هذا المجال وهي:-
- اعتبار فلسطين دولة متبعة وتطبق القانون الدولي.

- إن أحواض المياه وخصوصاً الحوض الغربي والشمالي الغربي مشتركة، ويتم توزيعها بالمشاركة على مساحة الأرض.
- هناك حاجة ماسة للمياه للشعب الفلسطيني. وفي هذا الجانب كتب أستاذ العلوم البيئية في معهد هارمن للعلوم التطبيقية بالجامعة العبرية بالقدس "هلل شوفال" في مقال له نشرته صحيفة "جيروزاليم بوست" باللغة الفرنسية بتاريخ 24/11/1999: "يجب على إسرائيل الاهتمام بإمداد الفلسطينيين بالمياه العذبة، لأنهم يعانون نقصاً حاداً في المياه ويخشون مستقبلاً جافاً، إلا إذا استطاعوا الحصول على سيطرة أهم للمياه".
- السيادة: إن التباين بين المواقف والمفاهيم الإسرائيلية والثوابت الفلسطينية يغذي الخلافات بين الجانبين أثناء مفاوضات الوضع النهائي.

 


المراجع:
دائرة شؤون المفاوضات في منظمة التحرير
جمعية "يش دين" الإسرائيلية يوجد قانون 27/11/2008.
صحيفة هآرتس 2010.
بتسيلم 2010-2011.
معهد أريج للبحوث التطبيقية
تقارير حركة "السلام الآن".
وكاله قدس للأنباء 10/3/2009.
وكالة أنباء PNN.
بيت لحم للأخبار 21/9/2010


البحث

استطلاع الرأي

ما رأيك بموقعنا الجديد ؟
0
0
0