كامـب ديفيد 2000

كامـب ديفيد 2000


في تلك الأثناء، كانت الاتصالات تجري للإعداد للقمّة الثلاثية بين "عرفات" و "كلينتون" و "باراك"، برغم تحفظ الرئيس الفلسطيني، الذي كان يخشى المشاركة فيها ويكرر القول: "أنّ قمّة غير مُعدّ لها جيداً سوف يكون نصيبها الفشل، وسوف تؤدّي إلى تصعيد خطير ".
وفي لقاء مع "كلينتون" في واشنطن، يوم (15 حزيران/ يونيو 2000م) .. حذّر "عرفات" الرئيس الأميركي من أية محاولة لفرض حل عليه.
وفي هذا السياق، قال "عرفات" معلّقاً على تأكيدات كلينتون بأنّ "باراك لن يوافق على حق اللاجئين في العودة ولا على السيادة الفلسطينية على القدس: لديّ حل .. أستقيل، وأغادر الأراضي الفلسطينية لأستقر في القاهرة أو في تونس، وسيكون على باراك أن يسوي الأمور مباشرة مع الشعب الفلسطيني".
وحُدد موعد القمّة يوم (11 تموز/ يوليو 2000م) في كامب ديفيد بالولايات المتحدة، وبرغم كل تقديراته، لم يكن بوسع الرئيس الفلسطيني رفض دعوة "كلينتون"، الذي برهن عن دعمه له مرات عديدة منذ 1993م، مرّ "عرفات" بفترة من الإحباط الشديد .. شعر أنه حشر في زاوية، فـ عَقِدَ اجتماعاً للقيادة الفلسطينية قبل أربعة أيام من القمّة ليحصل على موافقتها على الذهاب إلى "كامب ديفيد". وحصل على وعد من "كلينتون" أمام "محمود عبّاس - أبو مازن" بأنه على كل حال لن يحمله النتائج إذا فشلت القمّة.
طوال الأيام الخمسة عشر للقمّة، وبرغم (تأنيب) "مادلين أولبرايت" لـ "باراك" وقيامها بلفت نظره مرات عديدة بأنه هو الذي أراد هذه القمّة، أصرّ رئيس الوزراء الإسرائيلي على تجنّب أي لقاء ثنائي مع الرئيس "عرفات"، وكان يرد بأنه لن يفعل ما لم يوافق "عرفات" على الأفكار التي اقترحها الرئيس الأميركي.
هذه الأفكار، التي اقترحها "كلينتون" علناً بعد أيام من افتتاح القمّة، كانت قد أعدّت في الواقع بالتعاون مع الإسرائيليين.
كان التفاوض، بالنسبة لـ "باراك"، يعني قبل كل شيء فرض الاقتراحات، التي كان يتم تناقلها شفوياً؛ لأن رئيس الوزراء الإسرائيلي منع مساعديه منعاً باتاً من كتابتها.
كان الوفد الفلسطيني مقتنعاً تماماً بأنّ "باراك" لا يريد السلام، بل يريد حَشْر "عرفات" في زاوية لا يستطيع معها إلا رفض سلسلة من الاقتراحات غير المقبولة، مثل إنشاء كنيس في حرم المسجد الأقصى، ثالث الأماكن الإسلامية المقدّسة.
ووفقاً لهذا الاقتراح، سوف تُقسّم منطقة الحرم القدسي الشريف أو ما سمي بـ (تلك التلة المقدّسة) أفقياً بين المسلمين واليهود، يكون للمسلمين فيها الحرم الذي يضمّ المسجد الأقصى وقبّة الصخرة، ويكون لليهود المكان الذي يزعمون أنه أساسات المعبد اليهودي القديم.
كان هذا العرض بالنسبة لـ "عرفات" دليلاً قاطعاً على أنّ "باراك" يريد نسف القمّة، وأنّ هذه القمّة نفسها ليست سوى فخ. ردّ "عرفات"، قائلاً: "إنني أرفض التخلّي عن أي جزء من الحرم الشريف، حتى مقابل حيفا أو يافا"، وأضاف مخاطبا "كلينتون": "لن أبيع القدس ولن يسجل عليّ التاريخ أنني خائن. هل تريدون قتلي؟ أنا رجل مؤمن ولن أسمح بأن يُسجل عليّ أنني بعت كنائس القدس والحرم الشريف إلى إسرائيل.
أنا رجل سلام وأطمح إلى تحقيق السلام والمصالحة التاريخية، وليس إلى إقامة بؤر جديدة للحرائق .. الحرم الشريف هو ملك المسلمين منذ بداية الإسلام وحتى يومنا هذا، باستثناء حقبة الصليبيين".
وفي اجتماع آخر له مع "كلينتون"، قال "عرفات" محتدّاً: "لن يغفر لي مليار مسلم إذا تخلّيت عن السيادة التامة على القدس الشرقية. لا أملك أي تفويض بالتخلّي عنها".
حينئذٍ ردّ عليه "كلينتون" غاضباً: "أنت تدفع شعبك وشعوب المنطقة كلها إلى الكارثة .. أنت على وشك فقدان صداقتي". فأجابه "عرفات": "لن أوقع اتفاقية بدون القدس. أنت تنسّق اقتراحاتك مع الإسرائيليين. أما أنا، فيتعيّن عليّ أن أنسّق مع العرب جميعهم وليس فقط مع الإسرائيليين".
فقال "كلينتون": "لماذا لا تناقش هذه النقطة مباشرة مع "باراك" وتجدا حلاً لها؟"، ردّ "عرفات": "ليس لدى "باراك" غير كلام في الهواء. لم يقترح عليّ شيئاً، سوى ضمّ القدس لإسرائيل".
واستناداً إلى قرار مجلس الأمن 242، طالب "عرفات" بأن تكون القدس الشرقية المحتلة منذ 1967م كلها تحت السيطرة الفلسطينية، متنازلاً عن الحيّ اليهودي الذي يقع داخل المدينة وعن حائط المبكى.
غير أنّ الاقتراح الإسرائيلي لا يعطي الفلسطينيين سوى الضواحي والقرى المحيطة بالقدس، ونوعاً من السلطة البلدية في الأحياء الإسلامية والمسيحية في البلدة القديمة وداخل المدينة. كان "باراك" يرى أنّ إسرائيل يجب أن تحتفظ بالسيطرة الكاملة على القدس - الغربية والشرقية - وأنّ المدينة يجب أن (تبقى) عاصمة دولة إسرائيل فقط. ووفقاً لمنطق "باراك" فإنّ العاصمة الفلسطينية يجب أن تكون في قرية أبو ديس، جنوبي القدس. وردّ "عرفات" على ذلك بـ "غير مقبول أبداً".
وبخصوص قضية اللاجئين، اعتبر "عرفات" أنّ اقتراحات باراك مُهينة: لا وجود لأي اعتراف بمسؤولية إسرائيل عن هذه القضية، لا وجود لأية اتفاقية، حتى ولو رمزية، حول حق العودة للاجئين (وفقاً لقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 194 في كانون الأول 1948). اكتفت إسرائيل، خلال الاجتماعات الثلاثة الأخيرة التي كرّست للتفاوض حول هذه المشكلة، بالموافقة على عودة 5000 لاجئ لمرة واحدة، أو 10.000 لاجئ على مدى عشر سنوات - وذلك في إطار اتفاقية سلام، على أن تذكر فيها عبارة "نهاية النزاع"، وهذا ما رفضه "عرفات" رفضاً قاطعاً. والقضية الأساسية الثالثة تتعلّق بالحدود والمستوطنات المقامة على الأراضي المحتلة. اقترح الإسرائيليون على الفلسطينيين تسليمهم 81% من أراضي الضفة الغربية، مقسّمة إلى ثلاثة كانتونات دون أي اتصال جغرافي بينها، ومحاطة بمناطق تحت السيادة الإسرائيلية.
وفقاً لهذا الاقتراح، تسيطر الدولة العبرية على كافة نقاط العبور الحدودية مع الخارج، وكذلك على الفضاء الجوّي ومصادر المياه الجوفية في الضفة الغربية. تؤجَر 10% من الضفة الغربية - منطقة وادي الأردن - إلى إسرائيل لمدة 25 عاماً ــ أي للأبد من ناحية فعلية، لأن هذه المنطقة الخصبة جداً سوف تكتظ بالمستوطنات بسرعة.
يُضاف إلى ذلك 10% من الأراضي الفلسطينية التي تضمّ ثلاث كتل استيطانية يقيم فيها 80% من المستوطنين سوف تضمّها إسرائيل.
بالمقابل، تعطي إسرائيل للفلسطينيين أراضي قاحلة، بمعدل 100 متر مربع لكل كيلو متر تضمّه.
رفض "عرفات" التراجع عن الترتيبات الشرعية التي نص عليها القرار 242، فقد اعتبر أنه، باتفاقيات أوسلو عام 1993م، قدّم الفلسطينيون ما يكفي من التسويات بقبولهم ما نسبته 22% من فلسطين التاريخية، أي الضفة الغربية وقطاع غزة، ورفض "عرفات" التخلّي عن أراض جديدة للمستوطنات التي كثفت إسرائيل إقامتها ضاربة بالقوانين الدولية عرض الحائط.
رفض "ياسر عرفات" اقتراحات كلينتون، الذي قال أنه يحاول من خلالها تقريب وجهات نظر الطرفين.
وفي (صباح 25 تموز/ يوليو) .. خيّم جو ثقيل على كامب ديفيد .. التقى "كلينتون" بـ "عرفات" و "باراك"، وبعد أن عبّر عن أسفه للمأزق التام الذي تواجهه القمّة، طلب من الطرفين مواصلة مباحثاتهما من أجل التوصل إلى اتفاق في منتصف أيلول .. وافق الطرفان.
وفي اجتماع ثنائي عُقِدَ بينهما فيما بعد، عبّر "كلينتون" لـ "عرفات" عن احترامه لمواقفه الحازمة والثابتة إلا أنه لم يكشف هذا الكلام في أحاديثه العلنية. بل على العكس، فما أن أنهت القمّة أعمالها، حتى راح "كلينتون" في الواقع يكيل الانتقادات لـ "عرفات"، حانثاً بوعده بألا يُحمّل "عرفات" المسؤولية في حال فشل المفاوضات.
وفي مقابلة مع القناة الأولى للتلفزيون الإسرائيلي بتاريخ (28 تموز/ يوليو)، وقف الرئيس الأميركي إلى جانب "باراك"، معتبرا أنه "برهن على شجاعة كبيرة"، وأعلن عن تعزيز التعاون الثنائي مع إسرائيل، بل ذهب حتى إلى الحديث عن إعادة البحث في احتمال نقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى القدس.
أدرك الرئيس الفلسطيني أنّ الرجل الذي نصّب نفسه حكماً محايداً قد (خانه)، ورأى في هذه التصريحات برهاناً على أنّ القمّة لم تكن سوى (مؤامرة). وتأكد بأنه كان على صواب برفضه للاقتراحات الإسرائيلية، واطمأن إلى هذه القناعة أكثر حين خرجت مظاهرات التأييد الحاشدة في قطاع غزة والضفة الغربية ومخيّمات الشتات، والتي عبّرت عن أضخم دعم شعبي له منذ وصوله إلى غزة وأريحا في 1994م.
أما "باراك"، فقد خرج بالنتيجة التي كان قد أعدّها سلفاً: لا يوجد شريك للإسرائيليين. وحينئذ بدأت حملة يقودها بعض المسؤولين الإسرائيليين هدفها البرهنة على أنّ "عرفات" لم يكف في كامب ديفيد عن رفض (العروض السخية الإسرائيلية) المزعومة.
لم يكن الرأي العام العالمي على هذا القدر من السذاجة لتصديق هذه الادعاءات، أما في إسرائيل فقد أبدى الرأي العام قدراً من التغاضي لدرجة أنّ معسكر السلام لم يعترض بحزم على رواية "باراك"؛ لكن باراك نفسه اعترف في وقتٍ لاحق في مقابلة له مع صحيفة (هآرتس) الإسرائيلية "بأنه أراد من كامب ديفيد فقط (كشف القناع) عن وجه "عرفات"، ووصفه بأنه (عدو السلام) ".

 


البحث

استطلاع الرأي

ما رأيك بموقعنا الجديد ؟
0
0
0