الإنتفاضة الثانية

الإنتفاضة الثانية


بعد فشل قمّة كامب ديفيد ضاعفت إسرائيل من حملاتها على "ياسر عرفات"، ومع ذلك أصرّ "عرفات" على مواصلة المفاوضات .. وتواصلت فعلاً في القدس وتل أبيب دون تسجيل أي تقدّم.
وفي هذه الأثناء دخل زعيم الليكود "أرئيل شارون" مرة أخرى على الخط .. قرّر زيارة الحرم القدسي الشريف، فسارع "عرفات" إلى تحذير رئيس الوزراء "باراك" من خطورة السماح بإتمام الزيارة وما قد يترتب عليها من تفجّر للأوضاع؛ لكن نصيحة "عرفات" لم تلقَ أُذناً صاغية في إسرائيل. نفّذ "شارون" زيارته يوم (28 أيلول/ سبتمبر) تحت حراسة نحو ثلاثة آلاف من قوّات الأمن الإسرائيلية .. ونجح في استفزاز الفلسطينيين الذين رفضوا الزيارة وخرجوا في تظاهرات واسعة جوبهت بقمع وحشي من القوّات الإسرائيلية ما أسفر عن سقوط شهداء وجرحى .. وبذلك اندلعت الإنتفاضة الشعبية الثانية وليدخل الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي مرحلة جديدة.
تفاقم العنف واتسع نطاق المواجهات .. تدهور الموقف كثيراً، وقدّم "باراك" استقالته من منصب رئيس الوزراء يوم (9 كانون الأول/ ديسمبر 2000م) بعد أن تدهورت شعبيته إلى الحضيض، لقد فشل في تحقيق السلام مع الفلسطينيين وفشل في قمع ووقف الإنتفاضة.
في الوقت ذاته، كان الرئيس الأميركي "بل كلينتون" راغباً في تحقيق (إنجاز) سلمي في الشرق الأوسط قبل مغادرته البيت الأبيض المقرّرة بعد نحو شهر في (كانون الثاني/ يناير 2001م)، ولهذا جمع الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي ليقدّم (اقتراحات جديدة)؛ لكن "عرفات" رأى فيها نسخة قريبة من المطالب الإسرائيلية خاصة فيما يتعلق بالمسجد الأقصى والقدس، ولم يعجبه الغموض الكبير الذي اكتنفها فرفضها.
وجرت محاولة أكثر جدّية للتوصل إلى اتفاق فلسطيني - إسرائيلي يوم (21 كانون الثاني/ يناير  2001م) في محادثات عُقِدَتْ في طابا التي حققت تقدّماً؛ لكنها لم تُفضِ إلى نتيجة نهائية. وبعد أسبوعين جرت الإنتخابات العامة في إسرائيل يوم (6 شباط/ فبراير) ليسقط "باراك" وليصعد إلى سدّة الحكم "أرئيل شارون".
كان "عرفات" يدرك تماماً من هو "شارون" .. صاحب التاريخ الموغل في دماء الفلسطينيين، ولهذا أعلن استعداده للتعامل مع أي رئيس حكومة يختاره الإسرائيليون حتى لو كان "شارون". وفي الوقت ذاته، كان "عرفات" يؤكد لمساعديه وللمسئولين الفلسطينيين ضرورة الاستعداد لمواجهة احتمال إقدام الجنرال "شارون" على اجتياح الأراضي الفلسطينية.
بعد تولّيه الحكم في إسرائيل .. أعلن "شارون" في مكالمته الهاتفية الأولى مع "ياسر عرفات" أنه "يجدر التقدّم في عملية السلام"؛ ولكنه كان بهذا الشعار يسعى (فقط) لإدخال حزب العمل بزعامة "شمعون بيرس" في حكومة ائتلاف وطني يستطيع من خلالها تحقيق خطته الحقيقية: زيادة الإستيطان في الأراضي المحتلة، نسف اتفاقيات أوسلو، تدمير السلطة الفلسطينية وإزالة (عدوّه الأكبر) "ياسر عرفات".
وعد "شارون" الإسرائيليين بإنهاء الإنتفاضة خلال 100 يوم .. اشتد قمع الانتفاضة أكثر وأكثر، وازدادت توغلات القوّات الإسرائيلية داخل مناطق السلطة الفلسطينية. استُخدمت الطائرات والدبابات في الاعتداءات الإسرائيلية وفي الردّ على العمليات الفلسطينية، دون أي تمييز بينها - سواء قام بها إسلاميون، أو وطنيون، أو منظمات يسارية، وسواء وقعت في إسرائيل أو في المناطق الفلسطينية، وسواء كان القتلى والجرحى من المدنيين أو العسكريين أو المستوطنين - ووُصفت جميعها بأعمال إرهابية يُديرها "عرفات".
كان "شارون" يُدير حملة منهجية لإلصاق صفة الإرهاب بـ "ياسر عرفات"، وقرّرت إسرائيل اعتبار السلطة الفلسطينية بقيادة "عرفات" (كياناً إرهابيا). ووجد "شارون" أُذناً صاغية جداً لدى الساكن الجديد في البيت الأبيض (الرئيس جورج دبليو بوش) وأقنعه في لقائهما الأول أنّ "عرفات مفتاح الإرهاب" .. فدعا "بوش" "عرفات" إلى "التحدّث بقوّة وعلناً، وبلغة الفلسطينيين، لإدانة العنف والإرهابيين، واعتقال المسئولين عن الأعمال الإرهابية".
تجنّب الرئيس الأميركي الجديد الالتقاء بـ "عرفات" وكان "شارون" يجد كل الدعم من "بوش" في مواجهة "عرفات" .. ومع ذلك أوفد "شارون" نجله (عمري) ومسئولين إسرائيليين إلى رام الله للتباحث (سرّاً) مع "عرفات"، وفي الجوهر كان "شارون" - وفقاً لما قالته صحيفة هآرتس الإسرائيلية - مصمماً على "استسلام "ياسر عرفات" بدون شروط".
لم يتوقف التدهور عند حدّ معين .. واصل "شارون" بطشه الشديد بالفلسطينيين .. وردّت التنظيمات الفلسطينية بعمليات واسعة، وكانت إسرائيل تحمّل "عرفات" شخصياً مسؤوليتها رغم إداناته المستمرة لقتل الأبرياء فلسطينيين وإسرائيليين. وزاد تفاقم الموقف بعد اغتيال إسرائيل لزعيم الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين "أبو علي مصطفى" يوم (27 آب/ أغسطس 2001م) في مكتبه برام الله لتردّ الجبهة الشعبية باغتيال وزير السياحة الإسرائيلي "رحبعام زئيفي" يوم (17 تشرين الأول/ أكتوبر) في فندق بالقدس الشرقية المحتلة.
سارعت إسرائيل أيضاً إلى تحميل "عرفات" المسؤولية ووصفه "شارون" بأنه "بن لادن" إسرائيل، مستغلاً الأجواء الأميركية والعالمية الجديدة التي خلقتها هجمات تنظيم القاعدة بزعامة "أسامة بن لادن" على برجي مركز التجارة العالمي في نيويورك ووزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) في واشنطن يوم (11 أيلول/ سبتمبر2001م).
ومع أنّ "عرفات" سارع إلى إدانة الهجمات بأشد العبارات إلا أنّ الحملة الإسرائيلية لوصمه بالإرهاب كانت تجد أصداء واسعة لدى الإدارة الأميركية، حتى أنّ "بول وولفيتز" نائب وزير الدفاع الأميركي، قال: "إسرائيل هي حاملة طائرات صديقة و "عرفات" إرهابي معاد"، وأعلن نائب الرئيس الأميركي "ديك تشيني" أنه يؤيد قطع العلاقات مع "عرفات" ومنظمة التحرير الفلسطينية".
كان "عرفات" يدرك تماماً سياسة إسرائيل في استغلال الذرائع، وكان يقول لرجاله: "حتى في حالة الدفاع عن النفس، يجب ألا تعطوا لـ "شارون" ذريعة لاستغلال الـمعطيات الجديدة في العالم ضد الفلسطينيين".
ورغم العداء الواضح تجاه "عرفات"، كانت واشنطن تدرك (ضرورة) إقامة دولة فلسطينية إلى جانب إسرائيل. وفي (10 تشرين الثاني/ نوفمبر)، وأمام الجمعية العامة للأمم الـمتحدة .. أعلن الرئيس الأميركي "جورج بوش" عن تأييده لوجود دولتين تتعايشان جنباً إلى جنب داخل حدود آمنة ومُعترف بها، طبقاً للقرارات الدولية، مؤكداً "أنّ الولايات الـمتحدة سوف تبذل كل جهدها من أجل عودة الطرفين إلى مائدة الـمفاوضات".
ومع ذلك، أصرّ "بوش" على تجنّب اللقاء بـ "عرفات"، الذي كان حاضراً في مقرّ الأمم الـمتحدة وقت الخطاب، والذي اضطر للاكتفاء بلقاء مع وزير الخارجية الأميركية "كولن باول".
وفي اليوم التالي، ألقى "عرفات" كلمة فلسطين أمام الجمعية العامة، وأعلن عن وقف إطلاق النار من طرف واحد، مؤكداً "أنه سيبذل ما بوسعه من أجل الـمحافظة عليه". وأضاف: "أنّ إقامة دولة فلسطينية مستقلة والقدس عاصمة لها هو صمّام الأمان، ودعامة رئيسية للاستقرار في المنطقة". وأكد "أنّ الشعب الفلسطيني قد اختار السلام كـ خيار استراتيجي لا رجعة عنه؛ لكن دعوات "عرفات" لم تجد صدى لها عند "شارون" أو "بوش".

 


البحث

استطلاع الرأي

ما رأيك بموقعنا الجديد ؟
0
0
0