الحصار في رام الله

الحصار في رام الله


شعر "شارون" بأنّ المعطيات الأميركية والعالمية الجديدة تعطيه الفرصة - التي يتوجب عليه استغلالها - لإكمال مخططه ضد "عرفات". فأعلنت إسرائيل يوم (08/12/2001م) أنّ قرار مغادرة الرئيس "عرفات" لمدينة رام الله خاضع لها وحدها، لتبدأ مرحلة محاصرة الزعيم الفلسطيني في رام الله.
وبعد خمسة أيام في (13/12/2001م) .. تحرّكت آليات عسكرية إسرائيلية بينها دبابات حول مقرّ الرئيس "عرفات"، وقرّر "شارون" منعه من الخروج إلى أية مدينة أخرى، وفي ذات الوقت قصفت الطائرات الإسرائيلية مقرّ الرئاسة في (المنتدى) بغزة.
ولأول مرة منذ قيام السلطة الوطنية منع "عرفـات" من التوجّه إلى مدينة بيت لحم لحضور احتفالات عيد الميلاد في (24 - 25/12/2001م).
ثم بدأ حصار مقرّ "عرفـات" يأخذ شكلاً تصعيدياً وبدأت الدبابات تقترب من المقاطعة في رام الله، ثم تنسحب لتعود إليها بعد ساعات، وظل "عرفـات" كعادته يستقبل كبار الزوّار والوفود الدولية والمساعدين والمواطنين في مقرّه المحاصر.
وفي (26/03/2002م) .. عُقِدَتْ القمّة العربية في بيروت دون أن يتمكن "عرفات" من حضورها؛ لأنّ "شارون" هدّد بأنه لن يسمح له بالعودة إلى الأراضي الفلسطينية.
وأقرّت القمّة المبادرة السعودية التي أصبحت رسمياً المبادرة العربية للسلام والتي تعرب عن الإستعداد العربي لإقامة علاقات عادية مع إسرائيل بعد انسحابها الكامل من الأراضي العربية المحتلة وإقامة الدولة الفلسطينية.
وردّ "شارون" على المبادرة بطريقته الخاصة - لاسيما وأنّ الرئيس اللبناني "أيميل لحّود" رئيس القمّة، رفض قيام "عرفات" بمخاطبة القمّة (تلفزيونياً) – فـ بعد سـاعات من انتـهاء القمّـة العربيـة وفي (28 آذار/ مارس 2002م) .. أمَرَ "شارون" بإطلاق عملية (السور الواقي) في كافة أنحاء الضفة الغربية، وقال: "من اليوم فصاعداً، تعتبر إسرائيل "عرفات"، الذي يترأس منظمة إرهابية، عدوّاً لها"، وأضاف "أنه يعتزم عزل "عرفات" كلياً في مقرّه وملاحقة السلطة الفلسطينية في كل مناطقها، واعداً بأن تكون العمليات على نطاق لا سابق له".
برّر "شارون" قراره في تصريح قصير متلفز، قال فيه: "دولة إسرائيل هي الآن في حالة حرب، حرب ضد الإرهاب.
إنّ رئيس السلطة الفلسطينية عدو لإسرائيل وعدو للعالـم الحر. "عرفات" عقبة أمام السلام في الشرق الأوسط وخطر على استقرار الـمنطقة كلها".
وكان الهدف الأول لهذه العملية الكبيرة: مقرّ "ياسر عرفات" رئيس السلطة الفلسطينية في المقاطعة برام الله. وفي ليلة (28/29 آذار/ مارس 2002م) .. اجتاحت القوّات الإسرائيلية مدينة رام الله بالكامل واحتلت كافة مباني الـمقاطعة تقريباً بعد أن هَدَمَتْ سورها الخارجي. استخدم الجيش الإسرائيلي درعاً بشرياً من العشرات من سكان الـمدينة ليحمي تقدّمه، واستشهد في الساعات الأولى للاجتياح ستة فلسطينيين.
وعند الساعة الخامسة صباحاً في (29 آذار/ مارس) .. حاصرت القوّات الإسرائيلية "عرفات" ومعه 480 شخصاً داخل المقاطعة، وبدأ الجنود والآليات العسكرية الإسرائيلية بإطلاق النار والقذائف في جميع الاتجاهات، وأكد "شارون" "أنّ العملية ضد "عرفات" ستستمر".
ومن مقرّه المحاصر والذي قُطِعَتْ عنه الماء والكهرباء، قال "عرفات" معلّقاً: "هذا هو الردّ الإسرائيلي على القمّة العربية التي تبنّت مشروع سلام.
إسرائيل تريدني سجيناً، أو قتيلاً أو أسيراً. أقول لهم: لا، سأكون شهيداً، شهيداً، شهيداً !! .. هل حياتي أغلى من حياة مواطن فلسطيني بسيط، أو من حياة طفل فلسطيني؟"، ووجّه نداءً إلى الشعوب العربية والإسلامية وإلى كل المسيحيين في العالـم أجمع، قال فيه: "يجب الدفاع عن الأرض الـمقدّسة !!".
وفي اليوم التالي، هدّدت القوّات الإسرائيلية عبر مكبّرات الصوت بقصف المقاطعة إذا لم يسلم (المطلوبون داخل المقرّ أنفسهم خلال ربع ساعة).
أطلقت الدبابات الإسرائيلية النار من وقتٍ لآخر على مباني المقاطعة، وفجأة وسط هدير مروحيات الأباتشي، انهمرت القذائف وزخّات الرصاص على مقرّ "عرفات" بغزارة، غير أنه خرج سالماً، بينما جرح ثلاثة من حراسه، كانوا في غرفة مجاورة.
وقال "أرئيل شارون": "أريد أن أقول لكم أنه في هذه اللحظات تتواجد قوّات جيش الدفاع الإسرائيلي في مقرّ المقاطعة مركز سلطة "عرفات" في رام الله، إسرائيل ستعمل على إخضاع المسئول عن الإرهاب الفلسطيني، "عرفات" الذي شكّل ائتلافاً إرهابياً ضد إسرائيل هو عدو وفي هذه المرحلة سيتم عزله".
عاش "عرفات" ظروفاً صعبة داخل المقرّ المحاصر، طلقات وقذائف بين الحين والآخر .. تشويش مستمر وانقطاع للماء والكهرباء ونقص في الغذاء وحتى نقص في الهواء بسبب الإكتظاظ.
أصرّ "عرفات" على ألا يميّزوه عن باقي المحاصرين معه بشيء: كان ينام كما ينام الآخرون .. على فرشة خفيفة تفرش على الأرض مباشرة.
وفي اليوم العاشر فقط سمح الجيش الإسرائيلي للهلال الأحمر الفلسطيني بإدخال أول دفعة غذاء.
وحرص المقرّبون من "عرفات" على أن يتناول الرئيس خضاراً لأسباب طبية، وتمكنوا من الحصول على أدويته الضرورية.
بعد ثلاثة أسابيع من بداية الحصار خضع "عرفات" لفحص طبي على يد طبيبه الخاص، الدكتور "أشرف الكردي"، الذي جاء برفقة وزير الخارجية الأردني "مروان الـمعشر" لزيارة "عرفات".
وبعد إجراء فحص كامل، أكد "أنّ "عرفات"، الذي نحف مثله مثل الآخرين، بصحة جيدة ومعنوياته مرتفعة جداً، وأنّ جهازه العصبي يعمل جيداً، رغم ما يعانيه من نقص في النوم"، وأضاف الطبيب: "يمكن لصحة الرئيس أن تتدهور، بسبب نقص الأوكسجين في الـمبنى الـمغلق".
كان "شارون" يسمح بزيارة الرئيس في الحالات النادرة. وهكذا، بطلب من الـمبعوث الأميركي أنتوني زيني، تمكّن عدد من مساعدي "عرفات" من الدخول إلى الـمقاطعة، وكذلك الأمر بالنسبة لـ "ميغيل أنخيل موراتينوس" المبعوث الأوروبي لعملية السلام و "خافيير سولانا" المفوّض الأعلى للسياسة الخارجية للإتحاد الأوروبي.
في (17/04/2002م) .. اجتمع "كولن باول" وزير الخارجية الأميركي مع "عرفات" داخل مقرّه المحاصر لـمدة ثلاث ساعات لـم تسفر - وفق ما صرّح به "عرفات" نفسه - عن أي مخرج للنزاع. غير أنّ "عرفات" أكد لـ "باول"، وبكلـمات شديدة الوضوح "أنه في حال اقتحام الإسرائيليين للـمقرّ فسيموت شهيداً ولن يسمح لهم باعتقاله أو طرده". عُقِدَ اجتماع آخر بينهما بعد ثلاثة أيام، وانتهى بلا نتيجة هو الآخر. غضب "عرفات"، وقال للمقربين منه: "باول يتحدث معي كأنه مبعوث لـ "شارون". أمن، أمن .. لإسرائيل بالطبع. أنا هنا محاصر، والمناطق الفلسطينية كلها مطوّقة وتتعرّض لهجوم. رجال ونساء يقتلون يومياً، وجيش الاحتلال يدمّر ويخرّب. ولا يتحدثون إلا عن أمن إسرائيل !!".
وغداة هذا اللقاء، وصف "بوش" رئيس الوزراء الإسرائيلي بأنه "رجل سلام"، متهماً "عرفات" بأنه المسئول الوحيد عن الوضع الذي هو فيه.
أما في العالم العربي، فقد ارتفعت مكانة "عرفات" بشكلٍ كبير بسبب العزل والحصار الذي فرضه عليه "شارون"، كما كان الحال أثناء حصاره في بيروت وفي طرابلس. ووصفه صحافي مصري بارز بأنه "شهيد لا يزال على قيد الحياة".
وتضاعفت مظاهرات التأييد له من المغرب حتى العراق. وفي الجانب الفلسطيني ارتفعت شعبيته مجدداً إلى أعلى المستويات وسانده الجميع، بدءاً من الشيخ "أحمد ياسين" إلى الـمعارضين اليساريين. حتى أنّ "إدوارد سعيد"، الذي ابتعد كثيراً عن "عرفات" وجافاه لـمدة طويلة، قال: "في هذه اللحظة، نحن جميعاً وراء عرفات".
واصلت قوّات الاحتلال الإسرائيلي تدمير المباني داخل المقاطعة. وعبّر مجلس الأمن الدولي التابع للأمم المتحدة عن قلقه الشديد على سلامة الرئيس "عرفات"؛ ولكن في اليوم نفسه، أقام الجيش الإسرائيلي حول مقر الرئيس سياجاً ثلاثياً من الأسلاك الشائكة، وعزّزه بجدار من حطام السيارات والأنقاض وأكياس الرمل.
وأحاطت الدبابات الإسرائيلية بالمبنيين (المتصلين ببعضهما بجسر)؛ حيث يوجد المحاصرون، مصوّبة مدافعها إلى نوافذهما. في ذلك الوقت، ناشد وزير الخارجية السعودي "سعود الفيصل" الإدارة الأميركية أن تعمل على رفع الحصار.
وكبادرة لحسن النيّة، بعث "عرفات" برسالة إلى الحكومة الأميركية يقول فيها أنّ الأشخاص المطلوبين لإسرائيل بقضية مقتل "رحبعام زئيفي" سيجري التحقيق معهم وتقديمهم للـمحاكمة في رام الله. وفي اليوم ذاته، اعتقلت قوى الأمن الفلسطينية المشتبه بهم ونقلوا من نابلس إلى رام الله، بتنسيق وثيق مع الإتحاد الأوروبي والولايات المتحدة.
جرت المحاكمة في المقاطعة أمام ثلاثة ضبّاط من المحكمة العسكرية الفلسطينية، وحُكم المتهمون الثلاثة بالحبس لمدة ثمانية عشر عاماً لمشاركتهم في المسؤولية عن مقتل الوزير الإسرائيلي. كانت محاكمة هؤلاء الرجال هي أحد الشروط التي فرضها "شارون" لرفع الحصار عن المقاطعة.
ومع ذلك عمدت إسرائيل إلى تجاهل المحاكمة في رام الله وما لبثت أن طالبت بتسليمها المتهمين لتقديمهم إلى المحاكمة في إسرائيل.
وبعد ضغوط من ولي العهد السعودي الأمير "عبد الله بن عبد العزيز"، طلب الرئيس الأميركي "جورج بوش" من "شارون" رفع الحصار عن "عرفات"؛ لكن "شارون" ماطل واضطر للإستجابة بعد تهديد مستشارة الأمن القومي الأميركي "كونداليزا رايس" لـ "شارون" بعواقب رفض طلب "بوش"، فانسحب الجيش الإسرائيلي من المقاطعة ليلة (01/02 أيار/ مايو 2002م) بعد تفجير آخر مبنى فيها. ووصف "عرفات" حينها الجنود الإسرائيليين بأنهم (إرهابيون) و (نازيون).
لم يكن رفع الحصار كاملاً، فقد حظر "شارون" على "عرفات" مغادرة الأراضي الفلسطينية إلا إذا قرّر عدم العودة إليها.
وبعد شهر تقريباً، اجتاح الجيش الإسرائيلي رام الله مجدداً إثر عملية (مجدو) التي تبنّتها حركة (الجهاد) يوم (05 حزيران/ يونيو 2002م)، وهاجم الجيش الإسرائيلي مقرّ "عرفات" بوحشية، ولم تسلم من الرصاص غرفة "عرفات" الذي لم يصب بأذى؛ لكن أحد حرّاسه استشهد وأصيب سبعة آخرون.
كانت ضغوط "شارون" على "عرفات" تتم بمعرفة "بوش" وفريق الصقور في إدارته: نائبه "ديك تشيني" ووزير الدفاع "دونالد رامسفيلد" ونائبه "بول وولفيتز".
وهكذا وَجَدَ "عرفات" نفسه يوم (24 من نفس الشهر) أمام حرب صريحة من "بوش" عليه: فقد طلب "بوش" في خطابه في ذلك اليوم تشكيل قيادة فلسطينية جديدة ومختلفة .. ما فسّره المراقبون على أنه دعوة إلى رحيل "عرفات" عن منصبه .. وجاء ردّ "عرفات" في اليوم التالي "الفلسطينيون وحدهم" هم أصحاب الحق في اختيار قادتهم.
لم يكن العالم يشارك "شارون" و "بوش" وجهة نظرهما بشأن "عرفات"، وبعد يومين من خطاب "بوش"، وفي قمّة مجموعة الثماني الكبار في كندا، قال الرئيس الفرنسي "جاك شيراك": "عرفات انتخب ديمقراطياً من قِبَلْ الشعب الفلسطيني والذي يعود إليه وحده اختيار ممثليه".
كذلك رفض الأوروبيون واليابان والأمم المتحدة الموقف الأميركي من "عرفات"، وقال الرئيس المصري "حسني مبارك": "عرفات هو الوحيد الذي يتمتع بدعم الشعب الفلسطيني وبدون "عرفات" لن تتقدّم عملية السلام، وإنّ تنحيته ستخلق الفوضى".
وعلى الأرض تدهورت الأوضاع أكثر، وأفشل "شارون" بزيادته لعنف وحجم ووحشية العمليات العسكرية مساعي "عرفات" على الجانب الفلسطيني لإعلان وقف للنار من جانب واحد. وفي (19 أيلول/ سبتمبر 2002م) وللمرة الثالثة، احتل الجيش الإسرائيلي المقاطعة لمدة ستة أيام وقصف مبنى الرئيس بالمدفعية .. زادت إسرائيل من ضغوطها وطلبت من "عرفات" تسليم 20 من (المطلوبين) لها والذين كانوا داخل المقاطعة فـ رفض "عرفات"، أصدر قائد القوّة المحاصرة للمقاطعة أمراً بإخلاء المقرّ فوراً محذراً بأنّ انفجاراً هائلاً سيقع في المقاطعة، وطلب من سكان المنطقة المحيطة بالمقاطعة مغادرة بيوتهم .. وفجأة انفجر غضب المواطنين وتحدّى الآلاف من سكان رام الله والبيرة ومخيمات وقرى المنطقة حظر التجوّل وتوجهوا في تظاهرات حاشدة نحو مقرّ "عرفات"، فتحت قوّات الاحتلال نيرانها فقتلت إثنين من المتظاهرين وجرحت العشرات، واصل المتظاهرون طريقهم وهم يهتفون تأييداً لـ "عرفات".
وانتشرت التظاهرات ليخرج عشرات الآلاف في مدن الضفة الغربية وقطاع غزة دعماً للرئيس المحاصر والصامد. وامتدت التظاهرات إلى خارج الأرض المحتلة خاصة في مخيمات اللجوء في لبنان. خرج "عرفات" لتحية الجماهير أمام مقرّه المدمّر وقادهم في هتافه "على القدس رايحين شهداء بالملايين".

 


البحث

استطلاع الرأي

ما رأيك بموقعنا الجديد ؟
0
0
0