الإحتلال .. كيف نتخلّص مـن عرفات !!

الإحتلال .. كيف نتخلّص مـن عرفات !!


شهد عام 2003م تزايد ضغوط "شارون" على "عرفات" أيضاً، على أمل أن ينكسر الزعيم الفلسطيني، فيستقيل أو يغادر البلاد.
وكانت العبارة ذاتها تتكرّر بعد كل عملية تقع في إسرائيل: رئيس السلطة الفلسطينية هو المسئول، ولا بد من تنحيته عن المسرح السياسي.
أما "عرفات" فقد اختار أن يبقى في المقاطعة التي دمّرت معظمها، خوفاً من أن يستغل الجيش الإسرائيلي غيابه ليحتل المبنى، ويُعتقل مَن فيه، وينهب وثائقه، بل وربما يدمّر ما تبقى منه. ومارَسَ "عرفات" عمله في مكتب سيء التهوية، وقد استحال عليه الخروج منه إلى الباحة الخارجية. اضطر المجلس التشريعي إلى عقد اجتماعاته في المقاطعة، وليس في مقرّه الرسمي في رام الله، الذي لـم يُصب بأذى، لكي يتمكن "عرفات" من حضور جلساته.
كانت الظروف القاسية التي عاشها "عرفات" في المقاطعة قد تركت عواقبها على صحة الزعيم الفلسطيني، فـ في (تشرين الأول/ أكتوبر) أُصيب بالتهاب في المعدة، شُفي منه بسرعة؛ ولكن التكهنات الإسرائيلية بقرب نهايته تواترت.
في (تشرين الثاني/ نوفمبر 2002م)، توقّع رئيس الموساد المستقيل "أفرايم هاليفي" (اختفاء "عرفات") بطريقة أو بأخرى عن المسرح خلال عام 2003م، وتوقّع الرجل الأول في المخابرات العسكرية الإسرائيلية أن (يتبخّر) "عرفات" قبل نهاية عام 2003م، وكان الفلسطينيون يعرفون أنّ الإسرائيليين يريدون التخلّص من "عرفات".
وكان "شارون" أقدم في (أيلول/ سبتمبر 2002م) على خطوة ذات مغزى خاص تمثلت في تعيين الجنرال الاحتياط الرهيب "مائير داغان" رئيساً للموساد - وهو أخصائي في (التصفيات) - قاد منذ 1970م وحدة الكوماندوس الخاصة (ريمون)، التي وُضِعَتْ تحت إشراف "شارون" - قائد المنطقة الجنوبية للبلاد في ذلك الوقت - وهي وحدة مكلفة باغتيال الفلسطينيين (الـمطلوبين بتهمة الإرهاب).
تزايد التدهور في المناطق الفلسطينية بسبب الإجراءات التعسّفية التي فرضها الجيش الإسرائيلي على السكان المدنيين بعد أن كانت القوّات الإسرائيلية قد أعادت احتلال الضفة الغربية، وبدأت سلسلة من التوغلات العسكرية المنتظمة في قطاع غزة.
وواصلت الحكومة سياسة توسيع المستوطنات وبناء الجدار الذي يضمّ بحكم الأمر الواقع مساحات واسعة من الأراضي الفلسطينية إلى إسرائيل، ويعزل عشرات الآلاف من الفلسطينيين في الضفة الغربية.
وفي نفس الوقت، شنّت إسرائيل وواشنطن حملة مكثفة لفرض تغييرات سمّتها (إصلاحات) على السلطة الفلسطينية، تتضمّن إقصاء "عرفات" فعلياً.
ومن هذه الإصلاحات استحداث منصب رئيس وزراء تعود إليه مسؤولية الأمن. وتحويل "عرفات" بموجب هذه الإصلاحات إلى رئيس بدون صلاحيات، وتحويل السلطات الحقيقية إلى رئيس الوزراء.
واتهمت إسرائيل "عرفات" باستخدام أموال الدعم الأوروبي وهي الأكبر من بين معونات الدول المانحة، لشراء أسلحة والإنفاق على مجموعات إرهابية؛ لكن الإتحاد الأوروبي أعلن بعد إجراء تحقيق نزيه: "لـم نجد أي دليل على أنّ أموال الإتحاد الأوروبي قد أُستخدمت لأغراض غير تلك التي اتفق حَوْلها الإتحاد الأوروبي مع السلطة الفلسطينية".
لـم يكن استحداث منصب رئيس وزراء مطلباً أميركياً فقط، بل إنّ اللجنة المركزية لحركة (فتح) كانت قد طرحته في اجتماعها يوم (8 آب/ أغسطس2002م) برئاسة "عرفات"، واقترحت تعيين "محمود عبّاس - أبو مازن" لهذا المنصب.
وفي إسرائيل، ازدادت الأزمة السياسية الداخلية تفاقماً، فتمّ حل الكنيست وتقرر تنظيم انتخابات جديدة.
وافتتح نتنياهو الحملة الإنتخابية الداخلية في حزب الليكود في (12 كانون الثاني/ يناير 2003م) بخطاب طرح فيه مجدداً مسألة طرد "عرفات": "لن يتحقق السلام إلا إذا تمّ إبعاد "عرفات"، إذا أُنْتُخِبْتُ رئيساً للوزراء فسوف أطرده. إنّ هذا شرط لا غنى عنه للقضاء على الإرهاب".
في اليوم التالي، عَقَدَ "عرفات" مؤتمراً صحافياً للردّ عليه، وقال فيه: "ليكن في علـمه: أنا "ياسر عرفات"، من بيت الحسيني، وهي أسرة والدي، ووالد والدي، ووالد والد والدي، وأجدادي الأولين. وجميعهم، جيلاً بعد جيل، هم من أهل هذه البلاد .. أنا هنا على أرضي، وعلى أرض أجدادي".
ودعا الحزب القومي الديني الإسرائيلي، الأكثر قومية وتطرّفاً في معسكر المتدينين، في حملته الإنتخابية إلى طرد "عرفات": "سوف ترتاح إسرائيل في اليوم الذي يُبعد فيه "عرفات"، وتنافست لوائح المهاجرين الروس فيما بينها في طرح الحجج الداعية لطرد الزعيم الفلسطيني.
وحين عاود "شارون" هجومه على "عرفات" في حملته الإنتخابية واصفاً إياه مرة أخرى بـ "بن لادن"، قرّر الزعيم الفلسطيني توضيح موقفه مرة أخرى في هذا الخصوص، فقال: "ليكفْ عن تستره وراء القضية الفلسطينية. ما الذي يدعو "بن لادن" لأن يتحدّث الآن عن فلسطين؟ إنه لـم يساعدنا في يوم من الأيام .. إنّ "بن لادن" ينشط في ميدان مختلف تماماً عن ميداننا وهو يعمل ضد مصالحنا".
وفي (28 كانون الثاني/ يناير 2003م) .. فاز حزب الليكود بقيادة "شارون" في الإنتخابات، وكرّر "عرفات" استعداده للقاء "شارون"؛ لكن الناطق الرسمي باسم الحكومة الإسرائيلية، ردّ قائلاً: "عرفات هو خارج اللعبة".
تواصلت الهجمات والعمليات العسكرية من كلا الجانبين مُوْقِعة مزيداً من الضحايا المدنيين، وذلك رغم نداءات "عرفات"، الذي كان يدرك أنّ تصاعد العنف يخدم قضية الليكود، ويخشى، من تجذر الرأي العام المعادي للسلام في إسرائيل.
وفي (10 آذار/ مارس 2003م) .. وافق المجلس التشريعي الفلسطيني بأغلبية كبيرة على استحداث منصب رئيس الوزراء. قبل ذلك بيومين، كان المجلس المركزي لمنظمة التحرير قد أعطى موافقته.
اقترح "عرفات" "محمود عبّاس" لرئاسة الحكومة مع احتفاظ "عرفات" بالمسؤولية عن قوى الأمن الأساسية، وكذلك عن ملف مفاوضات السلام مع إسرائيل، وأحال مسؤولية المالية في السلطة إلى الدكتور "سلام فيّاض".
ومع ذلك، عبّر وزير الخارجية الأميركي "كولن باول" عن خيبته، قائلاً: "العديد من السلطات ما زالت بين يدي عرفات".
في هذا الوقت، انشغلت الولايات المتحدة بالحرب على العراق والتي بدأت في (20 آذار/ مارس 2003م).
واتخذ الرئيس الفلسطيني الموقف ذاته الذي اتخذه العرب من الحرب ووصفها بأنها "انتهاك للشرعية الدولية وزعزعة لمصداقية الأمم الـمتحدة".
في (23 نيسان/ أبريل) .. توصّل "عرفات" مع "محمود عبّاس" إلى اتفاق حول تأليف الحكومة.
وقال المبعوث الأوروبي "ميغيل أنخيل موراتينوس": "عرفات هو السلطة السياسية والمعنوية للشعب الفلسطيني، ومن المؤكد أنّ قرار الموافقة على تأليف حكومة جديدة الذي اتخذه "عرفات" لا يشكل هزيمة له .. لا يمكننا القول أنه رجل من الماضي".
وإذ ذاك، أعلن الرئيس الأميركي "جورج بوش" باسم اللجنة الرباعية الدولية، عن (خارطة الطريق)، التي تنصّ على إقامة دولة فلسطينية على مراحل، تكتمل في العام 2005م. وافق عليها "عرفات" وحكومته بخطوطها العريضة، وفعلت الحكومة الإسرائيلية الشيء ذاته؛ ولكن بشروط وتحفظات تنسفها.
في (04 حزيران/ يونيو) .. اجتمع "أبو مازن" و "شارون" و "جورج بوش" والملك "عبد الله الثاني" عاهل الأردن في العقبة.
كان "ياسر عرفات" يتابع الحدث على شاشة التلفزيون من المقاطعة، وسمع خطاب "أبو مازن" الذي جرت عليه تعديلات كثيرة من قِبَلْ مختلف المعاونين، وكان مُوَجّهاً بالأساس إلى الأميركيين والإسرائيليين: ما من كلـمة واحدة عن "عرفات"، المستثنى والمعزول. ما من كلـمة واحدة عن مسألة اللاجئين. ما من كلـمة واحدة عن القدس.
بالـمقابل، دعا "أبو مازن" الفلسطينيين إلى إنهاء الإنتفاضة الـمسلحة، مؤكداً "أنّ السلطة الفلسطينية اتخذت لنفسها هدفاً واضحاً وهي تسعى لتحقيقه بحزم وبلا تهاون: الإنهاء التام للعنف والإرهاب".
واختار "عرفات" أن يدافع عن رئيس وزراءه وركّز كل انتقاداته على خطاب "شارون" وحده، الذي لـم يقدّم برأيه تنازلات حقيقية، ووقف "عرفات" في وجه أعضاء (فتح) الذين انتقدوا خطاب "محمود عبّاس".
انتهز "شارون" التطوّرات السياسية الفلسطينية الداخلية ليعاود هجومه على "عرفات" من زاوية مختلفة هذه المرة. فقد ادّعى أنّ رئيس الوزراء الفلسطيني لا يستطيع العمل بهدوء، وأنّ جهوده تتعرّض للتخريب، وأنّ "عرفات" لا يزال العقبة الرئيسية (قبل الإسلاميين)، - على حدّ تعبير "شارون" - أمام كل محاولة للسلام.
وقال أحد المقرّبين من "شارون": "أبلغنا الأميركيين أنه إذا استمر "عرفات" في إضعاف "محمود عبّاس"، فإنّ إسرائيل ستضطر إلى إعادة النظر في وضعه". وهكذا عادت التهديدات بطرد أو إزالة الرئيس "عرفات" إلى الواجهة مرة أخرى.
وعندما أراد "عرفات" التوجّه من رام الله إلى غزة للمشاركة في تشييع شقيقته "يسرى" التي توفيت في (آب/ أغسطس 2003م) .. أعلنت إسرائيل أنها لن تسمح له بالعودة من غزة إلى الضفة الغربية، فامتنع "عرفات" عن مغادرة رام الله ولم يشارك في جنازة شقيقته. وبدا واضحاً أنّ إسرائيل تواصل استهداف "عرفات" شخصياً.
تفاقم التصعيد الإسرائيلي على نحو خطير، وفي (06 تشرين الثاني/ نوفمبر2003م) .. أفلت الشيخ "أحمد ياسين" بأعجوبة من قصف إسرائيلي على غزة. وطفح الكيل بـ "محمود عبّاس" من الممارسات الإسرائيلية، فقدّم استقالته في اليوم ذاته ووافق عليها "عرفات" ليخلفه في الـمنصب "أحمد قريع - أبو علاء".
كانت إسرائيل قد أعلنت أنّ حكومتها الأمنية المصغرة وافقت يوم (13 أيلول/ سبتمبر) مبدئياً على قرار (إزالة "عرفات"). كانت تلك المرة الأولى التي تقرّر فيها حكومة (إزالة) رئيس منتخب ديمقراطياً، وأثار القرار شجباً دولياً واسعاً وتسبّب في (عزلة دبلوماسية) لإسرائيل.
واستخدم الأميركيون حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن على قرار يُدين القرار الإسرائيلي، غير أنّ الجمعية العامة للأمم الـمتحدة أدانت إسرائيل بالإجماع تقريباً، ودعت إسرائيل للعدول عن تنفيذ قرارها.
وكان نائب رئيس الوزراء "أيهود أولمرت" - صديق "شارون" وموضع ثقته - صرّح في وقتٍ سابق "لـم يكن مُسْتَبْعَداً قتل عرفات". الشيء ذاته أكدته بلا تردد الصحيفة اليمينية (جيروزالـم بوست)، المقرّبة جداً من الحكومة؛ حيث جاء في افتتاحية لها يوم (11 تشرين الثاني/ نوفمبر 2003م): "يجب أن نقتل "ياسر عرفات"، لأنّ العالـم لـم يدع لنا خياراً آخر".
إثر صدور قرار مجلس الوزراء الإسرائيلي، كشفت صحيفة (يديعوت أحرونوت) الإسرائيلية عن خطة إزالة "عرفات" ونسبتها إلى ضابط إسرائيلي.
وحين قرأ "ياسر عرفات" ترجمة المنشور عن خطط (إزالته)، تصرّف بهدوء .. وقال للصحافي الإسرائيلي الفرنسي اليهودي "أمنون كابليوك": "دعهم يحيكون مؤامراتهم. أما أنا فسوف أكون حراً أو شهيداً".
خلال الأسبوع الأول من (آذار/ مارس 2004م) .. حاصرت قوّات الاحتلال المقاطعة مرتين في الوقت الذي كان فيه "شارون" يُعِدّ خطة الانفصال عن غزة، وكان يتباحث مع الأميركيين بشأنها، وكانت قوّات الاحتلال تنفذ هجمات واسعة خاصة في قطاع غزة ما أسفر عن سقوط عشرات الشهداء ومئات الجرحى، فطالب "عرفات" يوم (11 من الشهر نفسه) اللجنة الرباعية الدولية بالتدخل "لوقف الجرائم الإسرائيلية التي لا يمكن القبول بها"؛ لكن إسرائيل ردّت باغتيال مؤسس وزعيم حماس الشيخ "أحمد ياسين" يوم (22 آذار/ مارس)، وأكد "عرفات" بعد ذلك "أنّ الشعب الفلسطيني لن يتخلى ولن يتراجع عن أهدافه"، فطالب في اليوم ذاته رئيس لجنة الخارجية والأمن التابعة للكنيست "يوفال شتيانتيس"، بطرد "ياسر عرفات" إلى تونس.
وفي اليوم التالي، ألمح رئيس أركان الجيش الإسرائيلي الجنرال "موشي يعلون" إلى أنّ الاغتيال يقترب من "ياسر عرفات".
كان "عرفات" يواصل عمله ونشاطه في مقرّه بالمقاطعة .. يستقبل ويودّع الزوّار والوفود: ويعقد الاجتماعات مع مسئولين ومساعدين .. بقي "عرفات" محور العمل السياسي الفلسطيني ولم تنجح كل محاولات إسرائيل لعزله.
وبدأت (الحرب الصحية) تتصاعد على الرئيس "ياسر عرفات" يوم (04 نيسان/ أبريل)؛ حيث نقلت القناة الثانية في التلفزيون الإسرائيلي نبأً عاجلاً، مفاده "أنّ الرئيس "عرفات" أُصيب بجلطة دماغية"، بينما كان في الواقع يقوم بعمله بشكلٍ طبيعي في المقاطعة في رام الله.
وقال صحافي أجنبي وقتها "أنه رصد خلال الأشهر الخمسة التي سبقت، 10 تقارير صحافية عن تدهور صحة "عرفات"، وعندما تحقق من مصادرها وجدها جميعاً إسرائيلية الأصل .. وبالطبع كانت كلها عارية عن الصحة وبلا أساس".
في يوم (07 نيسان/ أبريل)، قال رئيس الوزراء الفلسطيني "أحمد قريع" في تصريحات في القاهرة "أنه يجب التعامل بجدّية مع التهديدات الإسرائيلية باغتيال "عرفات" بعد أن كان "شارون" صرّح قبل يومين على ذلك بأنه لا يضمن سلامة "عرفات". وجاءت الإشارة القوية يوم (14/04/2004م) .. حين أخبر "شارون" الرئيس الأميركي "جورج بوش" - حسب الكاتب الإسرائيلي "أوري دان" وهو أحد مقربي "أرئيل شارون" ومؤتمن أسراره – "بأنه لم يعد ملزماً أكثر بالوعد الذي قطعه له حسب طلبه في (آذار/ مارس 2001م) والذي تعهّد فيه بعدم المس جسدياً بـ عرفات"، فردّ عليه "بوش"، وقال: "من الأفضل أن نترك مصير الرجل في يد رب السماء"، فقال له "شارون": "رب السماء يحتاج في بعض الأوقات إلى مساعدة".
لم يعطِ "بوش" لـ "شارون" الضوء الأخضر لقتل "ياسر عرفات"؛ لكن "شارون" اعتبر أنّ يده باتت طليقة فيما يتعلق بـ "عرفات".
وفي ذلك اليوم (14/04/2004م) .. أعطى "بوش" لـ "شارون" ما اعتبره البعض (وعد "بوش") على غِرار (وعد بلفور) .. فقد وجّه "بوش" رسالة إلى "شارون" أعلن فيها موافقته على خطة الانسحاب الأحادي من غزة، وأعطى "بوش" (شرعية) في خطابه للتجمّعات الاستيطانية وتبنّى اللاءات الإسرائيلية بشأن حق العودة للاجئين الفلسطينيين وحدود (الرابع من حزيران)، الأمر الذي رفضه "ياسر عرفات".
وبعد اغتيال إسرائيل للزعيم الجديد لحركة حماس "عبد العزيز الرنتيسي" في (17/04/2004م) بستة أيام، وجّه "شارون" تهديداً جديداً إلى "عرفات"، معتبراً أنّ الرئيس لـم يعد يتمتع بأية (حصانة).
وقال "شارون": "وعدت قبل ثلاث سنوات الرئيس الأميركي "جورج بوش" بعدم المساس بـ "عرفات"، إلا أنني لـم أعد ملزماً بهذا الوعد، والأخير لـم يعد يستفيد من أية حصانة".
ونُقِلَ عن "شارون" قوله في المقابلة "أنه أبلغ "بوش" بأنه لـم يعد ملتزماً بتعهده بعدم إيذاء "عرفات" جسدياً، وبأنه يدرك المشاكل المتعلقة بهذه المسألة؛ لكنه لم يعد ملزماً بالإتفاق. وكان "شارون" أعلن في الثاني من الشهر نفسه في مقابلة مع صحيفة هآرتس "أنا لا أنصح أية شركة تأمين بضمان حياة عرفات".
وبعد ثلاثة أيام، قال "شارون" في تهديد أكثر مباشرة "إنّ جميع الذين يقتلون يهوداً أو يحثّون على قتل يهود أو مواطنين إسرائيليين يستحقون الموت ..  نعلـم أنّ "عرفات" مسئول عن قتل يهود منذ عقود".
وأعلنت وزارة الخارجية الأميركية "أنّ الموقف الأميركي المُعارض لاستخدام العنف ضد "عرفات" لـم يتغيّر".
وأكدت واشنطن مراراً معارضتها لأي تهديد لحياة "عرفات" على الرغم من أنّ الولايات المتحدة من أنصار تهميشه داخل السلطة الفلسطينية.
وبهذا الصدد، قال "نبيل أبو ردينة"، الناطق باسم "عرفات" "أنها تصريحات مرفوضة ونحن نطلب من الإدارة الأميركية توضيح موقفها من هذه التصريحات الخطيرة وتحمّل مسؤولياتها تجاه التصعيد الذي يمارسه رئيس الوزراء الإسرائيلي ويدفع المنطقة إليه"، وأضاف "نحمّل "شارون" المسؤولية الكاملة عن هذه التصريحات الخطيرة التي ستجرّ المنطقة بأكملها إلى مخاطر كبيرة". ورأى المسئولون الفلسطينيون أنّ تهديدات "شارون" الأخيرة هي الأخطر من بين سلسلة من التهديدات التي أطلقها رئيس الوزراء الإسرائيلي ضد الرئيس "عرفات"، معتبرين أنّ إقدام الحكومة الإسرائيلية على اغتيال قادة بارزين من حركة حماس فضلاً عن الضوء الأميركي الممنوح لشارون وانشغال الولايات المتحدة بمشاكلها في العراق وحالة العجز العربي قد تدفع "شارون" لارتكاب هذه المخاطرة، الجريمة الكبرى.
وخفف مسئولون إسرائيليون من (حدّة) هذه التهديدات بالتأكيد على أنّ المس بالرئيس "عرفات" ليس آنياً أو قريباً جداً، إلا أنّ مصادر إسرائيلية قالت "أنه لربما كانت التهديدات تمهّد لإبعاد الرئيس إلى غزة وهي فكرة أيّدها علناً رئيس المعارضة الإسرائيلية شمعون بيرس".
ومن جانبه، قال قائد المنطقة العسكرية لوسط إسرائيل الجنرال "موشي كابلينسكي": "الجيش الإسرائيلي لم يتلقَ أية تعليمات في هذا الشأن؛ لكنه مستعد للتحرك"، وحذر من أنّ "أي شخص متورط في الإرهاب يجب أن يدرك أنه لا يستطيع النوم بأمان".
وتواصلت أيضاً الهجمات الأميركية على "عرفات"، واتهم وزير الخارجية الأميركية "كولن باول" "عرفات" بمواصلة إلقاء البيانات التحريضية في المنطقة، وشدّد "باول" على "حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها"، وحمّل الفلسطينيين مسؤولية استمرار أعمال العنف، منتقداً بشدّة الرئيس "عرفات". ودعا "باول" "عرفات" مجدداً إلى التخلي عن السيطرة على أجهزة الأمن.
وفي (03 أيار/ مايو 2004م) .. حاصرت قوّات الاحتلال الإسرائيلي المقاطعة مجدداً، ومنعت الدخول أو الخروج من مكتب "عرفات"، وبعد ثلاثة أيام تعمّد "بوش" أن يتجاهل "عرفات"، وقال للصحافة "أنه سيبعث برسالة شخصية إلى رئيس الوزراء الفلسطيني "أحمد قريع" وأنه سيوسّع الحوار بين الولايات المتحدة والفلسطينيين. ولم يسمح لـ "عرفات" بمغادرة الأراضي الفلسطينية للمشاركة في القمّة العربية بتونس يوم (22/05/2004م)، فتحدّث إليها في كلمة متلفزة جدد فيها التزامه بسلام الشجعان، وطالب بقوة دولية لحماية الشعب الفلسطيني ومراقبة ما تقوم به إسرائيل.
تواصلت الاعتداءات الإسرائيلية في الضفة وغزة وردّت الفصائل الفلسطينية بعمليات تفجيرية في إسرائيل.
وفي (اليوم الأخير من الشهر ذاته) .. أعلنت القاهرة موافقة "عرفات" و "شارون" على مبادرة مصرية لوقف أعمال العنف وإعادة تحريك المفاوضات وعقد لقاء بين "شارون" و "قريع". وفي اليوم التالي، تحدّثت مصادر إسرائيلية عن استعداد "شارون" لتغيير موقفه من "عرفات" إذا وافق الأخير على التخلّي عن صلاحياته الأمنية وإذا منح صلاحيات أوسع لرئيس الوزراء "أحمد قريع".
تلقى "عرفات" دعماً مهماً - في ظل الحصار الإسرائيلي المدعوم أميركياً - فقد تصادم الرئيس الفرنسي "جاك شيراك" مع السياسة الخارجية الأميركية يوم (29/06/2004م)، بقوله "إنّ العزلة المفروضة على الرئيس "ياسر عرفات" تعرقل عملية تحقيق السلام في الشرق الأوسط"، وأضاف شيراك الذي كان يتحدّث على هامش قمّة للحلف الأطلسي: "يمكن للناس أن يتبنّوا ما شاءوا من آراء في الرئيس "عرفات" أو أي رئيس آخر؛ لكن لا يمكن منازعة الشرعية ما لم تقدم شرعية مختلفة"، وقال: "من الطبيعي أن تكون لفرنسا اتصالات مع الرئيس الفلسطيني "عرفات" الذي ربما يكون الشخص الوحيد القادر على فرض حل وسط على الشعب الفلسطيني".
وفي نفس اليوم، أوفد "شيراك" وزير خارجيته "ميشال بارنييه" إلى رام الله للقاء "عرفات". وتعقيباً على الزيارة، شجب "شارون" ما وصفه بأنه التصرّف غير الودّي للحكومة الفرنسية، وقال "شارون": "أصابتني زيارة "بارنييه" وكذلك تصريحات الرئيس "جاك شيراك" حول وضع "ياسر عرفات" بالخيبة".
تواصل الحصار الإسرائيلي على "عرفات"، وفي (الأول من آب/ أغسطس 2004م) .. منحت جامعة القدس الدكتوراه الفخرية لـ "ياسر عرفات"؛ وذلك في حفل خاص أُقيم في مقرّ "عرفات" بالمقاطعة المحاصرة.
ومرة أخرى جدد "عرفات" وبنفس القوة ما كان دائماً يؤكده: "الشعب الفلسطيني لن يتخلّى عن أرضه وحريته ولن يرضخ للاحتلال".
وفي (الثامن عشر من الشهر نفسه) .. ألقى "عرفات" خطاباً أمام المجلس التشريعي الذي انعقد في المحاصرة، كان الخطاب شاملاً وتضمن لأول مرة تقييماً للسنوات العشر من عمر السلطة الفلسطينية.
وفي (الثاني عشر من أيلول/ سبتمبر) .. أعلن "عمرو موسى" الأمين العام لجامعة الدول العربية "أنّ الدول العربية تجري مشاورات بشأن التهديدات الإسرائيلية للرئيس "ياسر عرفات"، وقال "موسى" عقب اجتماع لمندوبي الدول العربية في القاهرة "أنّ هذه التهديدات غير مقبولة وينبغي الرد عليها، والرئيس "عرفات" هو الرئيس الشرعي للشعب الفلسطيني والعنوان الرئيسي والصحيح للتحدث بشأن القضية الفلسطينية".
وردّ "شارون" على التحرّك العربي بأن جدد يوم (14/09/2004م) تهديداته وألمح إلى أنّ إسرائيل قد تغتال "عرفات" أو تطرده من الأراضي الفلسطينية. وقال "شارون" لصحيفة (يديعوت أحرونوت): "لا أرى فرقاً بين "عرفات" وبين زعيمين لحماس اغتالتهما إسرائيل في الربيع الماضي، هما: "أحمد ياسين" و "عبد العزيز الرنتيسي" .. جميعهم يتبعون سياسة قتل .. وسنفعل بـ "عرفات" ما فعلنا مع القتلة".
وكذلك تحدث في نفس الأسبوع وزيرا الدفاع والخارجية الإسرائيليين "شاؤول موفاز" و "سيلفان شالوم" عن العزم على (طرد) "عرفات" (قريباً).
واعتبرت السلطة الوطنية الفلسطينية التهديدات خطيرة جداً وطالبت بتدخل اللجنة الرباعية الدولية.
وقال "صائب عريقات" وزير شؤون المفاوضات: "هذه التهديدات تحضير وتمهيد للمسّ بالرئيس "عرفات" جسدياً".
وقال "شارون" بعد ثلاثة أيام في تصريحات صحافية: "سنتخلّص من "ياسر عرفات" عندما تكون الأوضاع في صالحنا .. ولو استطعنا التخلص منه لفعلنا ذلك منذ مدة".
يوم (22/09/2004م) .. كرّر "شارون" تهديداته، وقال: "إسرائيل ستتخذ كل إجراء ضد "ياسر عرفات" في الوقت الذي تراه مناسباً كما فعلت عند اغتيال زعماء حماس في وقتٍ سابق من العام الحالي".
وبقيت الاتصالات مقطوعة بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي، وبدا واضحاً لـ "عرفات" أنّ "شارون" ينفذ فقط ما اعتاد عليه طوال حياته ضد الفلسطينيين، ودعا "عرفات" في (الخامس من تشرين الأول/ أكتوبر 2004م) مجلس الأمن الدولي إلى إصدار قرار يلزم إسرائيل بوقف عدوانها ضد الشعب الفلسطيني وبوقف استخدامها الأسلحة المحرّمة دولياً وانتهاكها للمقدّسات المسيحية والإسلامية وقتل النساء والأطفال، وأكد "عرفات": "أنّ الاتصالات الرسمية مع الحكومة الإسرائيلية مقطوعة".

 


البحث

استطلاع الرأي

ما رأيك بموقعنا الجديد ؟
0
0
0